تاريخ تطور الجريمة

تاريخ الجريمة من المنظور الإسلامي

# تَارِيخُ الجَرِيمَةِ مِنَ المَنْظُورِ الإِسْلَامِيِّ ## مُقَدِّمَةٌ تُعَدُّ الجَرِيمَةُ مِنَ الظَّوَاهِرِ الَّتِي رَافَقَتِ الإِنْسَانَ مُنْذُ وُجُودِهِ عَلَى الأَرْضِ، فَلَمْ يَخْلُ مُجْتَمَعٌ مِنَ المُجْتَمَعَاتِ، قَدِيمًا وَحَدِيثًا، مِنْ صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الاعْتِدَاءِ وَالظُّلْمِ وَانْتِهَاكِ الحُقُوقِ. وَقَدْ عَالَجَ الإِسْلَامُ ظَاهِرَةَ الجَرِيمَةِ عِلَاجًا شَامِلًا، فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى تَحْدِيدِ العُقُوبَاتِ، بَلْ اهْتَمَّ بِوِقَايَةِ المُجْتَمَعِ مِنْ أَسْبَابِ الجَرِيمَةِ، وَتَرْبِيَةِ الفَرْدِ عَلَى التَّقْوَى وَمُرَاعَاةِ حُقُوقِ الآخَرِينَ. ## أَوَّلًا: الجَرِيمَةُ فِي قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ يَرْبِطُ القُرْآنُ الكَرِيمُ بَدَايَةَ الجَرِيمَةِ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ بِقِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ، حَيْثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: **﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾** [المائدة: 27]. ثُمَّ تَطَوَّرَ الصِّرَاعُ إِلَى القَتْلِ، فَقَالَ تَعَالَى: **﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾** [المائدة: 30]. وَتُبَيِّنُ هَذِهِ القِصَّةُ أَنَّ الجَرِيمَةَ قَدْ تَنْشَأُ مِنْ دَوَافِعَ نَفْسِيَّةٍ وَأَخْلَاقِيَّةٍ، مِثْلَ الحَسَدِ وَالحِقْدِ وَالطَّمَعِ وَضَعْفِ الرَّقَابَةِ الدَّاخِلِيَّةِ. ## ثَانِيًا: الجَرِيمَةُ فِي المُجْتَمَعِ العَرَبِيِّ قَبْلَ الإِسْلَامِ عَرَفَ المُجْتَمَعُ العَرَبِيُّ قَبْلَ الإِسْلَامِ أَشْكَالًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الجَرَائِمِ وَالمُخَالَفَاتِ، وَكَانَ بَعْضُهَا مُرْتَبِطًا بِالنِّظَامِ القَبَلِيِّ وَمَا نَشَأَ عَنْهُ مِنْ صِرَاعَاتٍ وَثَأْرٍ وَاقْتِتَالٍ. وَكَانَتِ الحُرُوبُ القَبَلِيَّةُ قَدْ تَسْتَمِرُّ سِنِينَ طَوِيلَةً بِسَبَبِ حَادِثٍ أَوْ قَتْلٍ يَقَعُ بَيْنَ أَفْرَادِ القَبَائِلِ. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنِ المُجْتَمَعُ الجَاهِلِيُّ خَالِيًا مِنَ القِيَمِ وَالأَعْرَافِ الَّتِي تُقَلِّلُ مِنَ الجَرَائِمِ، فَقَدْ وُجِدَتْ أَعْرَافٌ تَدْعُو إِلَى إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَنُصْرَةِ المَظْلُومِ، وَحِفْظِ العَهْدِ، وَحِمَايَةِ الجَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القِيَمِ. ## ثَالِثًا: مَوْقِفُ الإِسْلَامِ مِنَ الجَرِيمَةِ جَاءَ الإِسْلَامُ بِمَنْهَجٍ مُتَكَامِلٍ فِي مُوَاجَهَةِ الجَرِيمَةِ، فَرَبَطَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالأَخْلَاقِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ. وَحَثَّ عَلَى العَدْلِ، وَنَهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالعُدْوَانِ، وَحَرَّمَ الاعْتِدَاءَ عَلَى النَّفْسِ وَالمَالِ وَالعِرْضِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: **﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾** [النِّسَاءِ: 135]. وَقَالَ تَعَالَى: **﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾** [البَقَرَةِ: 190]. فَالعَدْلُ فِي التَّصَوُّرِ الإِسْلَامِيِّ أَسَاسٌ لِاسْتِقْرَارِ المُجْتَمَعِ، وَحِفْظِ الحُقُوقِ، وَالحَدِّ مِنَ الجَرِيمَةِ. ## رَابِعًا: تَطَوُّرُ النِّظَامِ الجِنَائِيِّ فِي الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ مَعَ قِيَامِ المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، ظَهَرَتْ مَعَالِمُ نِظَامٍ يَقُومُ عَلَى حِفْظِ أَمْنِ المُجْتَمَعِ وَحُقُوقِ أَفْرَادِهِ. وَوَضَعَ الشَّرْعُ أَحْكَامًا لِعَدَدٍ مِنَ الجَرَائِمِ، وَمِنْهَا جَرَائِمُ القَتْلِ وَالاعْتِدَاءِ وَالسَّرِقَةِ وَالقَذْفِ وَغَيْرِهَا. وَقَسَّمَ الفُقَهَاءُ الجَرَائِمَ فِي الفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ إِلَى أَقْسَامٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْ أَشْهَرِهَا: **الحُدُودُ، وَالقِصَاصُ وَالدِّيَاتُ، وَالتَّعْزِيرُ**. وَتَخْتَلِفُ أَحْكَامُ كُلِّ قِسْمٍ وَشُرُوطُهُ وَتَفْصِيلَاتُهُ بِحَسَبِ نَوْعِ الجَرِيمَةِ وَالمَذْهَبِ الفِقْهِيِّ. وَمِنْ أَهَمِّ المَبَادِئِ الَّتِي قَرَّرَهَا الفِقْهُ الجِنَائِيُّ الإِسْلَامِيُّ أَنَّ العُقُوبَةَ لَا تُطَبَّقُ بِمُجَرَّدِ الاتِّهَامِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ المَوَانِعِ وَثُبُوتِ الجَرِيمَةِ بِالطُّرُقِ المُعْتَبَرَةِ شَرْعًا. ## خَامِسًا: أَهْدَافُ العُقُوبَةِ فِي التَّصَوُّرِ الإِسْلَامِيِّ لَمْ يَجْعَلِ الإِسْلَامُ العُقُوبَةَ غَايَةً فِي ذَاتِهَا، بَلْ رَبَطَهَا بِحِفْظِ المُجْتَمَعِ وَحُقُوقِ الأَفْرَادِ وَمَنْعِ الظُّلْمِ وَالعُدْوَانِ. وَمِنْ أَهَمِّ المَقَاصِدِ الَّتِي تَرْتَبِطُ بِالنِّظَامِ الجِنَائِيِّ الإِسْلَامِيِّ حِفْظُ النَّفْسِ، وَالمَالِ، وَالعِرْضِ، وَالعَقْلِ، وَالدِّينِ. وَتَظْهَرُ فِي التَّشْرِيعِ الجِنَائِيِّ الإِسْلَامِيِّ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ، مِنْهَا رَدْعُ المُجْرِمِ، وَحِمَايَةُ المُجْتَمَعِ، وَإِنْصَافُ المَظْلُومِ، وَمَنْعُ أَسْبَابِ الفَوْضَى وَالاعْتِدَاءِ. ## سَادِسًا: الوِقَايَةُ مِنَ الجَرِيمَةِ فِي الإِسْلَامِ اهْتَمَّ الإِسْلَامُ بِالوِقَايَةِ مِنَ الجَرِيمَةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، فَدَعَا إِلَى تَرْبِيَةِ الإِنْسَانِ عَلَى التَّقْوَى وَالأَخْلَاقِ الحَسَنَةِ، وَحَثَّ عَلَى التَّكَافُلِ الاجْتِمَاعِيِّ، وَنَهَى عَنِ الأَسْبَابِ الَّتِي قَدْ تُؤَدِّي إِلَى الفَسَادِ وَالعُدْوَانِ. كَمَا أَنَّ الإِسْلَامَ يَجْعَلُ لِلمُجْتَمَعِ وَالأُسْرَةِ وَالدَّوْلَةِ أَدْوَارًا فِي حِمَايَةِ الفَرْدِ وَتَوْفِيرِ البِيئَةِ الَّتِي تُسَاعِدُ عَلَى الاسْتِقْرَارِ وَتَقْلِيلِ دَوَافِعِ الجَرِيمَةِ. ## خَاتِمَةٌ يَتَّضِحُ مِنَ النَّظَرِ فِي تَارِيخِ الجَرِيمَةِ وَمَوْقِفِ الإِسْلَامِ مِنْهَا أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ لَمْ تَنْظُرْ إِلَى الجَرِيمَةِ بِاعْتِبَارِهَا مُشْكِلَةً أَمْنِيَّةً فَقَطْ، بَلْ رَبَطَتْهَا بِالأَخْلَاقِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالعَدْلِ وَحِفْظِ حُقُوقِ الإِنْسَانِ وَمَصَالِحِ المُجْتَمَعِ. وَقَدَّمَ الفِقْهُ الإِسْلَامِيُّ تَصَوُّرًا مُتَكَامِلًا لِمُوَاجَهَةِ الجَرِيمَةِ، يَجْمَعُ بَيْنَ الوِقَايَةِ وَالتَّرْبِيَةِ وَحِمَايَةِ الحُقُوقِ وَتَطْبِيقِ العُقُوبَاتِ وَفْقَ ضَوَابِطَ وَشُرُوطٍ شَرْعِيَّةٍ. وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ أَنَّ دِرَاسَةَ تَارِيخِ الجَرِيمَةِ مِنَ المَنْظُورِ الإِسْلَامِيِّ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى دِرَاسَةِ العُقُوبَاتِ، بَلْ تَشْمَلُ أَيْضًا فَهْمَ أَسْبَابِ الجَرِيمَةِ، وَسُبُلَ الوِقَايَةِ مِنْهَا، وَدَوْرَ القِيَمِ وَالأَخْلَاقِ وَالعَدْلِ فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ آمِنٍ وَمُسْتَقِرٍّ.

تعليقات